السيد عبد الله شبر

57

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

السائس للدوابّ خادم لها من هذا الوجه ، والخادم بما هو خادم أنقص منزلة من مخدومه ، إلّاأنّ لخادم الدابّة جهة إنسانيّة في نفسه ، بها يكون فضيلته على الدابّة ، فكذا حال النبيّ مع الامّة . السابع عشر : إنّ الملائكة أتقى من البشر فوجب أن يكونوا أفضل منهم ؛ أمّا تقواهم فلأنّهم مبرّؤون عن الزلّات وعن الميل ، وأمّا الأنبياء فإمّا أن يكونوا غير معصومين - كما عليه العامّة - أو معصومين كما عليه الإماميّة ؛ فعلى الأوّل الأمر واضح ، وعلى الثاني فهم لم يخلوا عن الميل إليها بحسب الطبيعة البشريّة ، فثبت أنّ تقوى الملائكة أشدّ ، وأمّا كون الأتقى أفضل فلقوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ « 1 » . والجواب : إنّا لا نسلّم أنّ تقواهم أشدّ ؛ لأنّ التقوى مشتقّة من الوقاية ، فلمّا كانت الدواعي والشهوات أكثر كان التوقّي عنها أشدّ ، ولمّا كان المقتضي للمعصية في حقّ البشر كان التوقّي منهم عنها أشدّ . الثامن عشر : قوله تعالى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ « 2 » ، ووجه الاستدلال : أنّ قوله تعالى : « ولا الملائكة المقرّبون » خرج مخرج التأكيد للأوّل ، ومثل هذا التأكيد إنّما يكون بذكر الأفضل كما في قولك : هذه الخشبة لا يقدر على حملها العشرة ولا المائة ، وكذا في كثير من الأمثلة . والجواب : أوّلًا : أنّ الدليل أخصّ من المدّعى ؛ إذ غاية ما فيها بعد التسليم أفضليّة الملائكة المقرّبين على المسيح لا على من هو أفضل منه . وثانياً : أنّ قوله تعالى وَلَا الْمَلائِكَةُ ليس فيه إلّا واو العطف التي لمطلق الجمعيّة ، والأمثلة الجزئيّة غير مفيدة في الدعوى الكلّيّة . على أنّها معارضة بأمثلة أخرى كقوله : ما أعانني على هذا الأمر زيد ولا عمرو ، فهذا لا يفيد أفضليّة عمرو على زيد . سلّمنا ، أنّه يفيد التفاوت أمّا أنّه من جميع الوجوه أو من جهة كثرة الثواب فغير

--> ( 1 ) . الحجرات ( 49 ) : 13 . ( 2 ) . النساء ( 4 ) : 172 .